كيف حارب المصريون تدهور حقوقهم الرّقميّة وحجب مئات المواقع عنهم في 2017

 

كان العام الماضي حافلاً بالنّسبة لمستخدمي الانترنت المصريين (وكذلك الصحّفيين والمدافعين عن حقوق الإنسان)، حيث كانت مصر (إضافةً إلى تركيا وأوكرانيا) من أكثر دول العالم تراجعاً على مستوى الحريّة على الإنترنت بحسب تقرير فريدوم هاوس السّنوي. وسجلت مصر 68 نقطة عام 2017 بتراجع خمس نقاط في كل من نواحي “عوائق الوصول” و”القيود على المحتوى” و”انتهاكات حقوق المستخدمين”. وبحسب تقرير المنظّمة، كانت أهم التطوّرات في مصر ما بين يونيو 2016 ومايو  2017 هي:

 

  • حجب أكثر من 400 موقع بما فيها مواقع لمؤسّسات إخباريّة مرموقة ومنظّمات حقوق الإنسان دوليّة، بالإضافة إلى المئات من أدوات البروكسي وتجاوز الحجب.  
  • حظر خدمات نقل الصوت عبر بروتوكل الانترنت VoIP (ومنها واتساب، فايبر، سكايب، فيسبوك مسنجر، وتطبيق فيس تايم في هواتف الآيفون) عبر شبكات الموبايل بشكل متقطّع، بينما تكرّرت إغلاقات الخدمات الخلويّة في شمال سيناء.  
  • يُراجع البرلمان مشروع قانون “الجرائم الإلكترونيّة” الجدلي (النص الكامل) والذي اقترحته الحكومة، بالإضافة إلى تقديم النّواب لاقتراحات قوانين تُجبِر مستخدمي وسائل التواصل الإجتماعي على تسجيل بياناتهم الشخصيّة (بما في ذلك الإسم الرّباعي والرّقم الوطني) لدى الحكومة، وحتى اقتراح دفع 200 جنيه شهريّاً مقابل استخدام فيسبوك.
  • الحكم على محمد رمضان، مُحام حقوق إنسان، بالسِّجن عشر سنوات وبعد ذلك بالإقامة الجبريّة ومنعه من استخدام الإنترنت لخمس سنوات أخرى بسبب تعليق كتبه على فيسبوك، وتبرير ذلك قانونيّاً باستخدام المادّة ٢٩ من قانون مكافحة الإرهاب.(المصدر: منظّمة العفو الدولية وموقعها حجب في مصر)
  • حملة هجمات إلكترونية ضد نشطاء في سبع منظّمات حقوقيّة يُواجهون المحاكمة لتلقّي تمويل أجنبي وذلك من قبل قراصنة يبحثون عن معلومات تُجرِّمُهم.  

 

 

حجب المواقع واتهام الرّأي الآخر بالإرهاب 

في غياب أي شفافيّة رسميّة، أخذت مؤسّسة حرية الفكر والتعبير على عاتقها مُهمّة رصد المواقع التي تعرّضت للحجب الدّائم أو المؤقّت من تاريخ 24 مايو وحتّى الآن عن طريق استخدام أداة OONI التّابعة لمشروع تور (ومواقعهما حجُبت في مصر)، وقامت المؤسّسة بِتصنيف المواقع المحجوبة وتجميعها في قائمة تُحدّثها دوريّاً. فما بدأ ًبتصريح عن “مصدر أمني رفيع المستوى” بحسب وكالة أنباء الشّرق الأوسط الرّسميّة عن حجب “21 موقعا إلكترونياً داخل مصر وذلك لتضمينها محتوى يدعم الإرهاب والتّطرف ويتعمّد نشر الأكاذيب“ -بما في ذلك موقع مدى مصر المرشّحة لجائزتي “مراسلون بلا حدود” (وموقعها حجب في مصر) و”مؤشّر الرّقابة”- انتهى ب 465 موقع محجوب على الأقل بحسب آخر تحديث في 7 ديسمبر، 2017.

وبينما تصاعدت أعداد المواقع المحجوبة أصبح على المؤسّسات الصّحفيّة المصريّة أداء واجبها الصّحفي من جهة وإيجاد طرق لتجاوز الحجب وإيصال المعلومة إلى قُرّائها وتثقيفهم عن أدوات تجاوز الحجب من جهة أخرى – وذلك كلّه في مناخ من الاعتقالات والقمع السياسي والضّغوطات الاقتصاديّة المتزايدة التي أدّت إلى تضاؤُل الأجور وتسريح الصحفيين والموظّفين.

 

ومن الوسائل التي استخدمتها المؤسّسات الصحفيّة والحقوقيّة في مكافحة الحجب:

  • استخدام نطاقات بديلة:

مثلاً استخدمت جريدة المصريون نطاق elmesryoon.com عوضاً عن almesryoon.com، وصحيفة الدايلي نيوز thedailynewsegypt.com عوضاً عن dailynewsegypt.com، وجريدة البورصة elborsanews.com بدلاً منalborsanews.com وكذلك قامت مؤسّسة Qurium الإعلاميّة بمشاركة مؤسّسة فكّر تاني (والتي حُجب موقعها في مصر) في استضافة نطاقها على الرّابط التالي – وتقترح Qurium على المهتمّين بالخدمة ذاتها الاتصال بهم.

  • استخدام منصّات نشر بديلة:

بدأت المؤسّسات الصّحفيّة باستخدام منصّات بديلة للنّشر مثل موقع Medium للنّشر الذّاتي (حُجب أيضاً في مصر)، كما لجأوا لاستخدام فيسبوك لنشر مقالات بأكملها.

  • التدوين:

كما قام بعض الصحفيين باستخدام منصّات التدوين لنشر مقالاتهم، ومنهم الصّحفي في جريدة مصر العربيّة (حُجبت في مصر) والباحث في الشبكة العربيّة لمعلومات حقوق الإنسان (حجبت أيضاً في مصر) أحمد جمال زيادة الذي أزيلت مدوّنته عن موقع blogspot للتدوين داخل مصر وخارجها، على الأرجح بطلب مباشر من السّلطات المصريّة.   

  • أرشفة المحتوى:

أرشيف الانترنت، (حجب في مصر)، عبارة عن مؤسّسة غير ربحيّة تعمل على إيجاد مكتبة رقميّة فيها أرشيف لمواقع مختلفة منها مدوّنات ومواقع إخباريّة.     

  • الاعتماد على جوجل درايف وتقنيّة HTPPS:

ومن جانبهم بدأ القرّاء باستخدام أدوات تجاوز الحجب (وهناك المئات منها أصبح محجوباً في مصر) للوصول إلى المحتوى على المواقع المحجوبة ومن ثمّ نشره عبر وسائل أخرى مثل جوجل درايف، حيث أنّ جوجل درايف يعتمد على تكنولوجيا التشفير HTTPS، فيكون جزء من الرّابط ذاته (الذي يظهر باللّون الرّمادي الفاتح) مشفرّاً، وبالتالي لا يمكن للسلطات المصريّة حجب وثيقة معيّنة على جوجل درايف دون حجب الموقع بأكمله في مصر. فعندما قام مشروع البحث التّابع لجامعة هارفرد “انترنت مونيتور” (أو رقيب الإنترنت) بتحليل أكثر التّغريدات المتعلّقة بموضوع “حجب موقع مصر” انتشاراً، في نشرَة تحت عنوان “المنحدر الحرِج للرّقابة على الإنترنت في مصر” (الرّابط بالانجليزيّة)، وجدوا من بين هذه التغريدات وثيقة على جوجل درايف تحوي تقرير “هنا نفعل أشياء لا تُصدّق: التعذيب والأمن الوطني في مصر تحت حكم السيسي” لمنظّمة هيومن رايتس ووتش الدوليّة (التي حجب موقعها في مصر في سبتمبر فور نشر التقرير). ووِفقاً للنّشرة ذاتها: “استخدام جوجل درايف لاستضافة محتوى محظور أصبح أكثر شيوعاً في المنطقة. فمثلاً الموقع الإخباري العربي الجديد، المحجوب في السعوديّة، والإمارات العربيّة المُتّحدة، ومصر، واليمن، يوفّر محتواه على كل من جوجل بلس وجوجل درايف.”

  • اللجوء إلى القضاء:

قامت منظّمة مراسلون بلا حدود (وموقعها حجب في مصر) بنشر بيان بتاريخ 17 أغسطس تطالب فيها السّلطات المصريّة بتزويدها بتفسير لحجب موقعها وبأن ترفع الحجب عن موقعها وجميع المواقع المحجوبة “بدون تأخير”. وورد في البيان أنّ: “مراسلون بلا حدود حاولت بدون جدوى أن تعرِف سببَ حجبِ موقِعها، واتّصل فريق عملِها بِعدّة موسّسات حكوميّة عبر الهاتف، بما فيها وزارة الاتصالات والمجلس الأعلى للإعلام، وكُلّهم اعترفوا بِعدم عِلمِهم بسبب الحجب، أو من أمر به. كما أنّ المندوب الإعلامي في جهاز تنظيم الاتصالات قال بأنّ الجهاز غير مسؤول عن الحجب … المجلس الأعلى للإعلام أخبر مراسلون بلا حدود أنّه سيقوم بفتح تحقيق في الحجب إذا قامت المنظّمة بطلب استفسار رسمي. إلّا أنّ مراسلون بلا حدود علِمت بأنّ مؤسّسات إعلاميّة مثل مصر العربيّة، والبداية، ومدى مصر قاموا بتقديم طلبات من هذا النوع دون الحصول على أي تفسير … العديد من المواقع المحجوبة قامت بتقديم شكاوى أو اللّجوء إلى نقابة الصحفيين المصريين لمعرفة أسباب الحجب وإيجاد الجهة المسؤولة، لكن هذه المبادرات جميعها باءت بالفشل.”

وتعتقد المنظّمة بحسب البيان نفسه أنّ موقعها حُجب بعد أن نشرت بيان صحفي يُدين سجن محمود أبو زيد، المصوّر الصحفي المعروف بِ شوكان، لمدّة 4 سنوات “واحتجازه عشوائيّاً بشكل غير قانوني”. ويذكر أنّ مصر تحتل المركز 161 من بين دول العالم بتقييم مراسلون بلا حدود في نسخة 2017 من التصنيف العالمي لحرّية الصحافة، بتراجع نقطتين من 2016، أي أنّها من بين أسوأ 20 دولة في العالم من ناحية حرّية الصحافة (ومن بينها كثير من الدّول العربيّة مثل سوريا، والسودان، وجيبوتي، والسعوديّة، واليمن، والبحرين، وليبيا).

وفي ظل عدم “إفصاح الحكومة المصرية -إلى الآن- عن أي قرار قضائي أو إداري بحجب المواقع” بحسب مؤسّسة حرية الفكر والتّعبير، قامت المؤسّسة بنشر تقرير يستعرض المعلومات التي توفّرت لديها من أوراق القضايا المتداولة أمام المحاكم المصرية المتعلِّقة بالحجب، وورد فيه الإنفوجراف التالي:

 

 

ويُذكر أنّ المؤسّسة اعتبرت الحجب مخالفاً للدستور المصري لأنّه ينتهك “حرية عمل وسائل الإعلام وعدم جواز وقفها أو مصادرة أعمالها، وحق الجمهور في المعرفة والوصول إلى المعلومات”.

 

هجمات تقنيّة على صحفيين وعاملين في المجتمع المدني

في تقرير بعنوان “كيف تعمل مجموعة نايل فيش على اختراق المجتمع المدني تقنيًّا؟” قامت المبادرة المصريّة للحقوق الشّخصيّة بتوثيق ما وصفته بِ “أكبر هجمة تقنية منظّمة لاختراق منظّمات المجتمع المدني ونشطاء مستقلين” ما بين  نوفمبر 2016 – 31 يناير 2017، حيث رصدت 92 هجمة اعتمدت بالأساس على الهندسة الاجتماعية وبالتّحديد على أحد تكتيكات انتحال الصفة يسمّى الاصطياد (phishing)، حيث يحاول القراصنة الحصول على معلومات شخصيّة وكلمات سر عن طريق انتحال شخصيّة شركات وخدمات معروفة مثل جوجل و دروبكس، أو نشطاء وعمّال مجتمع مدني. وبحسب تقرير فريدوم هاوس لعام ٢٠١٧ عن مصر: “نايل فيش استهدفت حسابات شخصيّة ورسميّة لنشطاء من 7 منظّمات غير حكوميّة مرموقة جميعها مُتّهمة بالحصول على تمويل غير قانوني من مصادر أجنبيّة.” ويضيف التقرير أنّ عدّة صحفيين ومدوّنين بلّغوا عن هجمات على حساباتهم الشّخصيّة. “على سبيل المثال، المدوّن وائل عبّاس بلّغ عن استلامه عدّة رسائل نصيّة تحتوي رموز عبور وذلك نتيجة لمحاولات اختراق لحساب فيسبوك الخاص به والذي يبدو أنّه يحتاج إلى التحقُّق بخطوتين، وهي وسيلة لحماية الحسابات من الاختراق. وفي يوليو من 2017، تمّ اختراق حسابات النّاشطة علا شهبة في كل من فيسبوك وتويتر وجيميل عن طريق تعطيل شريحة هاتفها الخلوي ومزوّد خدمتها هو شركة فودافون. كذلك تمّ اختراق عدّة مواقع إخباريّة. في بداية يونيو، تمّ إختراق موقعي البديل وبوّابة يناير ونشر مقالات مزيّفة تحت أسماء رؤساء تحريرها، وبعد ذلك بساعات، تمّ حجب كلا الموقعين.

 

الشمس لا تغطى بغربال

كتب جمال سلطان، رئيس تحرير المصريون (حجب موقعها في مصر) مقال بعنوان” “كيف خسرت السلطة رهانها في السيطرة على الإعلام ؟!”: “النتيجة التي نراها الآن، وأعتقد أن كثيرين يرونه، أن عقول المصريين عادت تتجه إلى الإعلام الخارجي لمعرفة حقائق ما يدور في بلدهم، أو لمعرفة الآراء الأخرى ووجهات النظر المختلفة لتقدير الأمور، أو حتى للتنفيس عن الكبت، فبدون أدنى شك استعادت قناة الجزيرة والجزيرة مباشر حضورهما القوي في مصر بصورة لافتة، بعد أن كان وهجها قد خف في السنوات الماضية، إضافة إلى ظهور لاعبين جدد يتزايد حضورهم تدريجيا مثل النسخة العربية للتليفزيون الألماني حيث يقدم يسري فودة برنامجه، كما أن القنوات المعارضة التي تطلق من تركيا أصبحت تحظى بنسب مشاهدة عالية للغاية وتتفوق بمراحل على قنوات مصرية كبيرة وقد أكدت ذلك استطلاعات مراكز بحث إعلامي متخصصة، كما أن أهم شخصيات إعلامية في مصر الآن هما المهاجران: محمد ناصر ومعتز مطر، وتحظى برامجهما بنسب مشاهدة هائلة، ليس على المستوى الشعبي وحده، بل حتى على مستوى النخب بمختلف اتجاهاتها السياسية والايديولوجية.”

 

إضافات؟ تعليقات؟ أسئلة؟ تواصلوا معنا!

 

          

راسلونا على

تابعونا

الإشتراك